سهيلة عبد الباعث الترجمان

734

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

صفات الرب « 1 » وهذا ما يعنيه الصوفية بالفناء ، أي فناء الذات الإنسانية في ذات اللّه تعالى وهذه في حقيقتها ليست دعوة إلى الفناء ، بل دعوة إلى الخلود ، حيث أن الإنسان يفني ذاته في ذات اللّه ليبقى به ، وليست هذه الحالة التي دعوا إليها بمشابهة لحالة " النرفانا " « * » الهندية ، التي تهدف إلى إفناء الذات وإبلاغها حالة النفي المطلق ، بل هي دعوة إلى اعتناق المثل العليا في السلوك والعقيدة يصل بها الإنسان إلى الخلود « 2 » . ويرى نيكلسون أن الفناء الصوفي يتفق مع القول بالشخصية الإلهية ، لأنه ليس كالنرفانا الهندية محوا تاما للشخصية الإنسانية ، بل هو محو يعقبه صحو ، وفناء يعقبه بقاء ، هو فناء عن الإرادة الإنسانية مثلا لتحقق الفاني بأن الإرادة الحقيقية هي إرادة اللّه ، فهو يفنى عن إرادته الخاصة ليبقى بإرادة اللّه ، ويفنى عن عمله ليبقى بعمل اللّه ، وهكذا « 3 » . وثمة تلازم بين حالي الفناء والبقاء يظهر عند الجيلي في تمييزه بين مراتب الفناء ، إذ يجعل من المراتب الأخيرة التي تؤدي إلى الفناء من السحق والمحق والطمس والمحو مباشرة هي مراتب خاصة بأهل البقاء ، وخصّ المراتب الأولى الباقية بحالة الفناء ، ذلك أن الصفات الإلهية لا تظهر على العبد إلّا بعد زوال الآثار الخلقية عنه ، بعد وصوله إلى مرتبة المحق ، وهو آخر مراتب الفناء ، بل إن الجيلي يذهب إلى أبعد من ذلك ، فيرى أن العبد يفنى عن الفناء وذلك بالسحق والمحق والطمس والانعدام حيث تنجذب ذاته إلى ذات الحق ، ولا يبقى له سوى مشهد الحق ، فيبقى فيه ، وفي ذلك يقول :

--> ( 1 ) الجيلي ، رسالة أربعون موطن ، ص 43 . ( * ) النرفانا : يقول أبو العلا عفيفي أن النرفانا ظاهرة سلبية محضة وفكرة متفرعة عن مذهب تشاؤمي شامل في حين أن الفناء الصوفي له ناحيته الإيجابية كما أن له ناحيته السلبية ، وأنه لا دخل له في فلسفة تشاؤمية في طبيعة الوجود ، ( التصوف الثورة الروحية في الإسلام ، د . عفيفي ، ص 81 ) . الفناء عند متصوفة الإسلام يعقبه بقاء ولكن في النرفانا فناء تاما لا يعقبه بقاء . ( 2 ) كفافي ( د . محمد عبد السلام ) ، اتجاهات إنسانية في شعر الصوفية ، في أدب الفرس وحضارته . نصوص ومحاضرات مكتبة النهضة العربية بيروت 1967 ص . ص 20 - 21 . ( 3 ) نيكلسون ، في التصوف الإسلامي وتاريخه ، ترجمة أبو العلا عفيفي ، ص أ ، المقدمة ص 1 .